عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

332

اللباب في علوم الكتاب

وقال الليث بعكس هذا ، أي بكسرها في الماضي ، وبفتحها في المستقبل وأينعت فهي تينع وتونع إيناعا وينعا بفتح الياء ، وينعا بضم الياء ، والنّعت يانع ومونع . فإن قيل هذا في أول حال حدوث الثمرة ، وقوله : « وينعه » أمر بالنظر في حال تمامها وكمالها ، والمقصود منه أنّ هذه الثمار في أول حدوثها على صفات مخصوصة عند كمالها تنتقل إلى أحوال متضادّة للأحوال السابقة . قيل : إنها كانت موصوفة بالخضرة ، فتصير سوداء ، أو حمراء ، أو صفراء ، أو كانت موصوفة بالحموضة ، وربما كانت في أوّل الأمر باردة بحسب الطبيعة ، فتصير في آخر الأمر حارّة بحسب الطبيعة ، فحصول هذه التّبدّلات والتغيرات لا بدّ له من سبب ليس هو تأثير الطّبائع والفصول والأنجم والأفلاك ؛ لأن نسبة هذه الأفعال بأسرها إلى جميع هذه الأجسام المتباينة متساوية متشابهة ، والنّسب المتشابهة لا يمكن أن تكون سببا لحدوث الحوادث المختلفة ، ولما بطل إسناد حدوث هذه الحوادث إلى الطّبائع والأنجم والأفلاك ، وجب إسنادها إلى القادر الحكيم العليم المدبّر لهذا العالم على وفق الرحمة والمصلحة والحكمة ، فناسب ختام هذه الآية الكريمة بقوله : « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ » * للدلالة على ما تقدم في وحدانيّته ، وإيجاده المصنوعات المختلفة من أنها نابتة من أرض واحدة ، وتسقى بماء واحد ، وهذه الدلائل إنما تنفع المؤمنين دون غيرهم ، كقوله تبارك وتعالى : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] . قال القاضي رحمه اللّه « 1 » : المراد لمن يطلب الإيمان باللّه - تبارك وتعالى - ؛ لأنه لمن آمن ولمن لا يؤمن فإن قيل : لم أوقع الاختلاف بين الخلق في هذه المسألة مع وجود مثل هذه الدلالة [ الجلية الظاهرة القوية ؟ ] . أجيب عنه بأن قوة الدليل لا تفيد ولا تنفع إلّا إذا قدر اللّه للعبد حصول الإيمان ، فكأنه قيل : هذه الدلالة على قوتها وظهورها دلالة لمن سبق قضاء اللّه تعالى في حقه بالإيمان . فأما من سبق قضاء اللّه له بالكفر لم ينتفع بهذه الدلالة البتة أصلا فكان المقصود من هذه التخصيص التنبيه على ما ذكرنا . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 100 ] وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ ( 100 ) لما ذكر البراهين الخمسة من دلائل العالم الأعلى والأسفل على ثبوت الإلهية ، وكمال القدرة والحكمة ، ذكر بعد ذلك أنّ من النّاس من أثبت للّه شركاء ، وهذه المسألة تقدّم ذكرها ، إلّا أن المذكور هنا غير ما تقدّم ذكره ؛ لأن مثبتي الشّريك طوائف منها عبدة

--> ( 1 ) ينظر : الرازي 13 / 91 .